أحمد بن علي القلقشندي
15
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
رفع وخفض ؛ ويجعل عزائمه مقرونة بالسلامة ، محجوبة عن موارد النّدامة ؛ وحسب أمير المؤمنين اللَّه ونعم الوكيل . أمره بتقوى اللَّه التي هي العصمة المتينة ، والجنّة الحصينة ، والطَّود الأرفع ، والمعاذ الأمنع ، والجانب الأعزّ ، والملجأ الأحرز ؛ وأن يستشعرها سرّا وجهرا ، ويستعملها قولا وفعلا ، ويتخذها ردءا دافعا ( 1 ) لنوائب القدر ، وكهفا حاميا من حوادث الغير ؛ فإنها أوجب الوسائل ، وأقرب الذّرائع ، وأعودها على العبد بمصالحه ، وأدعاها إلى سبل ( 2 ) مناجحه ، وأولاها بالاستمرار على هدايته ، والنّجاة من غوايته ؛ والسلامة في دنياه حين توبق موبقاتها ، وتردي مردياتها ؛ وفي آخرته حين تروّع رائعاتها وتخيف مخيفاتها . وأن يتأدّب بآداب اللَّه في التواضع والإخبات ( 3 ) ، والسّكينة والوقار ، وصدق اللَّهجة إذا نطق ، وغضّ الطَّرف إذا رمق ؛ وكظم الغيظ إذا أحفظ ( 4 ) وضبط اللسان إذا أغضب ( 5 ) ؛ وكفّ اليد عن المآثم ، وصون النفس عن المحارم . وأن يذكر الموت الذي هو نازل به ، والموقف الذي هو صائر إليه ، ويعلم أنه مسؤول عمّا اكتسب ، مجزيّ بما ترّمك ( 6 ) واحتقب ؛ ويتزوّد من هذا الممرّ ، لذاك المقرّ ، ويستكثر من أعمال الخير لتنفعه ، ومن مساعي البرّ لتنقذه ؛ ويأتمر بالصالحات قبل أن يأمر بها ، ويزدجر عن السيّئات قبل أن يزجر عنها ؛ ويبتديء بإصلاح نفسه قبل إصلاح رعيّته : فلا يبعثهم على ما يأتي ضدّه ؛ ولا ينهاهم عمّا يقترف مثله ، ويجعل ربّه رقيبا عليه في خلواته ، ومروءته مانعة له من شهواته ؛ فإنّ أحقّ من غلب سلطان الشّهوة ، وأولى من صرع أعداء ( 7 )
--> ( 1 ) في مآثر الإنافة : 3 / 14 « ويتخذها ذخرا نافعا » . ( 2 ) في مآثر الإنافة : « إلى كل مناجحه » . ( 3 ) الإخبات : الخشوع والتواضع . ( 4 ) في مآثر الإنافة « إذا حنق » . ( 5 ) في مآثر الإنافة « وحفظ اللسان إذا غضب » . ( 6 ) في مآثر الإنافة « تزمك » وفي الطبعة الأميرية عن الرسائل والمثل السائر : « تزمل » . وتزمك من زمك القربة : ملأها . ( 7 ) كذا في الرسائل . وفي المثل السائر : « من ضرع لغذاء الحمية » .